ابن رشد

68

تهافت التهافت

مقدرا لها كأنه مكيال لها ، والحركة مكيلة له . ونجد هذا المكيال والامتداد يمكن أن تفرض فيه حركة أطول من الحركة المفروضة الأولى ، وبما يساويها ويطابقها من هذا الامتداد . نقول : إن الحركة الواحدة أطول من الثانية ، وإذا كان ذلك كذلك ، وكان العالم له امتداد ما عندكم من أوله إلى الآن ، فلنفرض مثلا أن ذلك هو ألف سنة . ولأن اللّه تعالى عندكم هو قادر على أن يخلق قبل هذا العالم ، عالما آخر ، يكون الامتداد الذي يقدره أطول من الامتداد الذي يقدر العالم الأول بمقدار محدود . وكذلك يمكن أن يخلق قبل هذا الثاني ثالثا . وكل واحد من هذه العوالم يجب أن وجوده امتداد يمكن أن يقدر به وجوده . وإذا كان هذا الإمكان في العوالم يمر إلى غير نهاية ، أي يمكن أن يكون قبل العالم عالم ، وقبل ذلك العالم عالم ، ويمر الأمر إلى غير النهاية . فههنا امتداد مقدم على جميع هذه العوالم . وهذا الامتداد المقدر لجميعها ليس يمكن أن يكون عدما . فإن العدم ليس بمقدار ولا يكون إلا كما ضرورة ، فإن مقدار الكم ضرورة كم . فهذا الكم المقدّر هو الذي نسميه الزمان . وهو يظهر أنه متقدم بالوجود على كل شيء يوهم حادثا ، كما أن الكيل ينبغي أن يكون متقدما على المكيل في الوجود . وكما أنه لو كان هذا الامتداد الذي هو الزمان حادثا بحدوث حركة أولى لوجب أن يكون قبلها امتداد ، هو المقدّر له ، وفيه كان يحدث وهو كالكيل لها ؛ كذلك يجب أن يكون قبل كل عالم يتوهم وجوده امتداد يقدره . فإذن ليس هذا الامتداد حادثا ، لأنه لو كان حادثا لكان له امتداد يقدره ، لأن كل حادث له امتداد يقدره ، هو الذي يسمى الزمان . فهذا هو أوفق الجهات التي يخرج عليها هذا القول ، وهي طريقة ابن سينا في إثبات الزمان . لكن في تفهمها عسر من قبل أنه مع كل ممكن امتداد واحد ، ومع كل امتداد ممكن يقارنه ، وهو موضع النزاع ، إلا إذا سلّم أن الإمكانات التي قبل العالم من طبيعة الممكن الموجود في العالم . أعني أنه كما أن هذا الممكن الذي في العالم من شأنه أن يلحقه الزمان ، كذلك الممكن الذي قبل العالم . فهذا بيّن في الممكن الذي في العالم ، ولذلك يمكن أن يتوهم منه وجود الزمان . قال أبو حامد : الاعتراض أن هذا كله من عمل الوهم ، وأقرب طريق في دفعه المقابلة للزمان